الفيض الكاشاني
14
أنوار الحكمة
صنع فيه ؛ وإليه يرجع الشرور ؛ كما أنّ إلى الأول يرجع الخيرات ؛ ومن مزجهما نشأ سائر الموجودات . ومن هنا قيل : « كلّ ممكن فهو زوج تركيبيّ » . قال إمامنا الباقر للعلوم - عليه الصلاة والسلام - « 1 » : « لو علم الناس كيف ابتداء الخلق ما اختلف اثنان ؛ إنّ اللّه تعالى قبل أن يخلق الخلق قال : « كن ماء عذبا أخلق منك جنّتي وأهل طاعتي ، وكن ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي » ثمّ أمرهما فامتزجا ؛ فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر ، والكافر المؤمن » . وفي لفظ آخر : « إنّ اللّه تعالى حيث خلق الخلق خلق ماء عذبا وماء مالحا أجاجا ، فامتزج الماءان . . . » - الحديث - . سرّ نوريّ [ الوجود والماهيّة وأصالة الوجود ] ليس في الوجود موجود بالذات سوى الوجود ، إذ لو وجد غيره فإمّا أن يكون وجوده زائدا عليه ، فيلزم أن يكون له وجود قبل وجوده ، لأنّ ثبوت الشيء للشيء فرع لثبوت المثبت له ؛ أو جزءا له ، وننقل الكلام إلى الجزء الآخر ، وهكذا إلى أن يتسلسل ، وهو محال . نعم ، للعقل أن ينتزع من الموجودات الممكنة معنى غير الوجود - لست أقول منفكّا عنه ؛ فإنّ الكون في العقل وجود عقليّ ، كما أنّ الكون في الخارج وجود خارجيّ ، بل أقول : من شأنه أن يلاحظه وحده ، من غير ملاحظة الوجود ، وعدم اعتبار الشيء ليس باعتبار لعدمه - وذلك المعنى يسمّى بالماهيّة والعين الثابت ؛ وهي ليست بموجودة بالذات - بل بالعرض ، أي بتبعيّة الوجود ، لا كما يتبع الموجود الموجود ، بل كما يتبع الظلّ للشخص ، والشبح لذي الشبح .
--> ( 1 ) الكافي : 2 / 6 ، كتاب الإيمان والكفر ، الباب الثاني ، ح 1 .